
الموضوع: ظاهرة (البيع بالإهــداء) قـبـل حديـثي عن هـذه الظّاهرة ـــ البيع بالإهــداء ـــ مباشرة، ارتـأيت أن أقف بــدايــة عـند نقطة هامّـة لضبط المفهوم بوظيفته، بمعنى أنّــه يجب أوّلا تــجــنّــب الحديث عن الموضوع فـي حـلـقـة مغلـقـة تـدور في محيط سياقــه الـشّـكـلي، بل ضـرورة الحديث عـن دوره الـوظيفي، أي أن نقتنع أوّلا بأنّ ( البيع بالإهـداء) يجب الـنّـظــر إليه باعتباره وسيلة ناجـعة تـسـاعـد على تشجيع المقروئـيّـة وتسهيل قـنواتها، خــاصّـة إذا كان القارئ وجها لوجــه مع كـاتـبــه الـمفـضّــل، وليس غــايــة في حــدّ ذاتهـا. فالظّــاهـرة في هــذه الحالة تصبح قيمة مُـضــافــة للطّــرفين بوسيط منسّق ومـوزّع متمثّل في دور النّشر كمؤسّســة ثقافيـّــة مسؤولــة عـن العمليـّــة هي الأخــرى. هــذه الأخيـرة التي تـبـحــث هي الأخـرى عـن زبــون من نـوع خــاصّ ـــ كما يمكن وصـفـه ـــ نفتقد إلى دوره كــثيرا هــذه الأيّــام في الـسّــاحــة، أمــام مـنــافـســة الـكـتــاب الــرّقمي وتلك إشــكــالــيّـة أخــرى تـفـرض نفسهــا في هــذا الـمـوضــوع. بمعنى أنّ هــذه الـمــؤسّســات تـلــجــأ لتـوسـيـع مبـيـعـــاتـهــا والتي تــدخــل ضـمـن تقاليد الــتّـعــاملات الـتّـجــاريّــة والإشــهــاريّــة، بـمـــا يُـصطـلــحُ عليـــه اقتصاديّــا وتـجــــاريّــا: عمليّــة الــتّــسويـق(Marketing). وهـنــا نـصــل إلى نــتـيجـــة من هــذه العملـيّـة، في أنّ ظــاهرة البيع بالإهــداء التي تــتـطـلّــب حـضــور الــكــاتب أو الـمــؤلّـف يـتـــحــوّل فيها هــذا الأخير ــ في الـمــضــمــار نـفــســه ـــ علامــة إشــهــاريّــة أو مــادّة إعـــلاميّـــة لــدُور الــنّـشــر من أجــل الــتّــرويـج للكــتـــاب وتــوسيع مساحات تـوزيعــه وتسويقــه للقارئ ليحقّق أكبر عــدد من المبيـعــات. لـكــنّ هنــاك مــحـطّــة هــامّــة وفـعّــالــة تـسـبـق هــذه الـمــرحـلــة، وهـي الــتّــرويـج لمثل هــذه العمليّــة على مستــوى وســائل الإعلام الـمـتــنــوّعـــة خـاصّــة الــمــرئــيّـــة منها والسّمعيّـة من خلال تـوظـيف الـفــواصــل والــدّورات الإشــهــاريّـة لـلغــرض نفسه، إلّا أنّــهـــا لا زالـــت تفتــقــد للــمـهنـيّــة والاحــتــرافــيّــة.ومــا يُــؤاخــذُ على دور الــنّــشـر في هــذا هو حـصــر عملـيّــة الـبـيـع بالإهــداء فـي صـالــونات معارض الكـتاب الــدّولــيّـــة والــوطـنــيّـــة فـقــط وفي مــدّة قــصيــرة، وكــذا شُــحّ تــوظيفــهـــا للوســائل الإعــلامـيّــة التي تضمن تـغــطية شــامـلــة للتّـعـريف بعمليّــة مـثــل هــذا الــبيــع، بالــرّغــم من أنّــنـــا نـعيش الـيــوم انـفــتـــاحـــا واسـعــا ومـتــعــدّدا على وسـائل الإعلام السّمـعـيّــة الـبـصــريّــة والمكــتـوبـة منـهـا. وربّــمـــا هــذه الــمُــؤاخَــذات قــد تــكــون ولـيــدة نــقــص كــفــاءة في الـجـهــة الــمــشــرفــة عـلى عــمـلـيـّـة الــنّــشــر والإشــهــار، أو الـجهـة الـمشــرفــة على وسـائل الإعــلام مـن نــاحـيــة، ومـن نــاحــيـة أخــرى عــدم وجــود مُــرافـقــة مـيــدانــيّـــة وفـعـلـيّــة لــتــوزيــع مــادّة الــقــراءة، وكــذا الــوقــوف عــنــد إيــجـــاد بــديل نــاجـع ومسـاعــد إضــافـيّ مُـــؤانـس للـعــمـلـيّـــة، كــالـمــراهــنــة مـثــلا عـلى مُــراجـعــة الـسّـعـــر وتـخــفـيـضــه، كــقـيـمـــة مُــضــافــة أخــرى ووسيــلــة مــرافـقــة للبيع بالإهــداء. مـمّــا يـفــتــح مــجــال الــمــنـــافـســـة بين دور الــنّـشــر الـمـخـتــلــفــة للارتـقــاء بـثــقــافــة الــبــيــع مــن الـمـســتــوى الــكمّـي إلـى الــمـستــوى الــنّـــوعـي في الـمـــادّة الـمــقــدّمـة للـقــارئ. وهــذا كــلّــه يــتــوقّــف على مــدى اكــتــســاب مــهــارة الـــتّــسـويــق وكـيـفـيّــة تــوظــيــفــهـــا لــدى دور الــنّــشــر.أمّـــا الــشّــقّ الـــثّــانـي ــــ في عمليّــة البيع بالإهــداء ــــ فــلا يــقــلّ أهــمّــيّـــة عــن الأوّل، بــاعــتــبـــار أنّ الــكـــاتــب أو الــمــؤلّــف هــو مـــحــور الـعــمليّـــة فـي الــتّــرويـج لــنـشر إنــتـاجـه على مــسـتـــوى واســع، كــمـا سـبــق وأن وصــفــتـــه فـي الــبــدايـــة بـ (الــعــلامـة الــتّـجــاريّـــة أو الإشــهــاريّــة لــدور الــنّــشــر) وهـذا يــتــوقّــف عــلى ســمـعــة وكـفــاءة الـمــؤلّــف وميــزانــه الــعـلمـيّ في حــدّ ذاتــه، وكـذا نــوعـيّـــة وقــيـمـة الــنّــشــاط الــذي يُـقــدّمــه عــلى الـسّــاحــة الــثّـــقـــافــيّـــة والــعـلـمـيّـــة: شــاعــرا كــان أم مــؤرّخــا أم نـاقــدا ... أيّــا كــان مـجـالــه واخـــتـــصــاصــه الـعـلـميّ والـثّـــقــافـيّ، فـلـكـلٍّ جـمـهــوره وقــُــــرَّاؤُه خــاصّــة إذا كــان للكاتب السّـبـق الـجــديــد والـمُـلـفــت للاهــتــمــام في الـمــادّة الــمنـشــورة كــمـقــاربــة ثــقــافــيّــة بــهــذا تــتــجــاوز هــذه الـظّــاهــرة ( البيع بالإهــداء) الـمـفــهــوم الـضّـيّـق والـمــتــواضــع عليه كـظــاهــرة تــقـليــديّـــة مــســتــحــدثــة إلــى ظــاهــرة تـقـلـيــديّــة مــتــجـدّدة، بــاعــتـبــار أنّ الـقــارئ يـسـعــى لــتــجــديــد أفــكــاره وتــنــويـع مــصــادر ثــقــافــتــه، وكــذا تــفـعـيــل دوره الإيــجــابـيّ كـطــرف ثــالــث فـي دفــع عــجـلــة الـمـقــروئـيـّـــة، وتــوسـيــع دائــرة الــتّــرويــج للـكـــتــاب خــاصّــة وللـعـملـيّــة كـكــلّ عــامّــة. إنّ الـحــديــث عــن هــذه الــظّــاهــرة يـفــرض عــلــيــنــا ربــطــهـــا بــظــواهــر أخــرى حــــتــمــيّـــة، كــونــهـــا جــزء مـنـهـــا ـــ كــمـا سـبـق وأن أشــرت إلى ذلك بـاقـــتــضــاب ــــ أو تــحصــيــل حــاصــل لـهـــا، وكـذا ربــطــهـــا بــمــسـبّــبــاتــهـــا ونـــتــائــجــهـــا، لـيـس عـلى الــمـسـتــوى الــثّـــقـافـي فــحـسـب، بــل يــتــعــدّى ذلك إـلى مــســتــواهــا الاقــتــصــادي والــتّــجــاري والاجــتــمــاعــي. بــهــذا أصــل إلـى أنّ ظــاهــرة الــبــيــع بـالإهــداء بـهــدف الــتّـرويــج لـلــكــتـــاب وتــوزيــعــه عـلى نـسـبــة كـبيـرة من الــقُــرَّاء ومــســاحـــات واســعــة، تـربــطـهـــا ثــلاث عــنــاصــر أســاســيّــة تـشـكّــل مــثـلّـــثـــا تــواصـلـيّـــا شــارك فـي إنــتاجـه: الــكــاتــب الــمـؤلّــف، والـقــارئ الــمـتــلــقّــي، والــقــنــاة الـواصـلــة بــينــهـمـــا وهي الــمــؤسّـســات الــثّــقـــافــيّــة الـممثّــلــة فـي دور الــنّـشـــر، بـســيــنـــاريــو وإخــراج وســائــل الإعــلام الــمتــنـوّعـــة مــنـهـا الــسّـمـعــيّــة الــبـصــريّــة خـاصّــة. وبــهــذا تــبــقــى الــظّــاهــرة لا تـخــرج عــن وظــيــفــتــهــا كــوســيــلــة، ولـيـســت غــايــة فـي ذاتــهـــا. (انتهى المقال) بقلم الأستاذ: سمير بونادي