عـنـوان
الـمـداخـلـة: مواقـف
من وقـفـات ومـحـطّـات الأســتـاذ مـخــتـار فـيلالي ــ رحمه الله ــ فـي مجالس
عين أزال
ملخّـص
الـمـداخـلــة:
بسم الله الـرّحـمـان الرّحيم، والـصّلاة والسّلام على أشرف المرسلين محمّد
بن عبد الله خاتم الأنبـيـاء والمرسلين نـبـيّ الـحـقّ والــعـدل، عليه أزكـى
الـصّـلاة والــتّـسليـم. أحــمـدك ربّـي حــتّى تــرضى، ولك الحمد إذا رضــيـت
وأحـمــدك بــعــد الـــرّضـى وأحــمــدك عـلى كـلّ حـال حــمــدا كــثـيرا طــيّـبــا مــبـاركــا فــيـه، أمّــا بـعــد.
أيّـهـا الـجمع الـكـريـم، الـسّـلام عـليكم ورحـمة الله
وبـركـــاتـه.
يـشـرّفـنـي أن أكـون ضـمـن الـمشـاركـين فـي فـعـالـيــات "وقـفـة الـوفـاء
والــتّـذكّــر" للمـربـّي الـرّاحـل الأستـاذ الـدّكــتـور: مـخـتـار بن الـطّاهـر
فـيـلالـي، والـشّكر الـمـوصـول أوّلا إلـى الـمنظّـمين من جـمـعـيّـة مـتـقـاعـدي
عمّال الـتّـربـيّـة لـولايـة بـاتـنـة، الـتي مـنحـت لـنـا هـذه الـفـرصـة الــثّـمـيـنـة
لـمشـاركـة إخـوانـنـا الـذيـن تـقـدّمـوا للكـشف عن بـعـض الــشّــهـب الـعـلمـيّــة
والـتّربـويّـة الـطّــاردة لــعــتــمة الـجهـل الـظّــلميّــة مـن فـضل ما رزق
به الله عـبـده مـخـتـار فـيـلالـي ــ رحـمه الله ــ الإخلـاص فـي الـعـلـم والـخـلق
ــ بـحـول مـنـه وقــوّتــه ــ نـفـعـنـا الله وإيّــاكم بــمــا تــرك من علم،
ونـفــعـه الله بـالـدّعــاء من صـالـح ولــده الـذي دعـانـا إلـى مـجـلـس الــذّكـــر
والــتّــذكّــر. لـه الـشّـكـر ثـانـيـا ولأهـله وآل بـيــتــه، وإلـى كـلّ مـن
حـضّـر وحـاضـر.
لـقـد رسى سـعـيـنـا لأن نـقـف عـند ثـلاث مـحـطّــات
تضمّـنـت الـكــثـير مـن الـمـواقـف الــتّربـويّــة للأسـتـاذ الـمجـاهـد مـخـــتـــار
فـيـلالـي ــ رحـمـة الله عليه ــ كــنّـــا قــد نظّمـنـاهـا رفـقـتـه بـمـديـنـة
عـين أزال. واسـمـحـوا لـي أن أذكــرهــا على سـبـيـل الـمـثـال لا الـحصـر
فمحطّــاتـه عــنـدنا كــثـيرة لا يـمكن عــرضــهــا كـلّها فـي هـذا الـمقـام
نظرا لكــثــافــتـهـا بسـبب تــنـوّع مـواضيع الـنّدوات والـمحـاضـرات وتـشـعّــب
مـحـاورهـا في مـخـتـــلــف الــمنــاســبــات، فـهــو بـحـقّ كـان مكــتــبــة
رحّــالــة. ومن تلك المحطّــات أذكــر:
الأولـى: الـذّكــرى
الخــامسة والسّــتّـون لـوفاة الـعلاّمــة عبد الحميد بن باديس ــ رحمه الله ــ :
وكان هــذا بمناسبة الاحـتـفـاء بـذكــرى
يوم الـعلـم الـمنظّمة بتاريخ: 17 أفريل 2005م تـحـت عـنوان: "الـدّور الــتّربـوي
والإصـلاحي لـجـمـعـيّـة الـعـلمـاء الـمسلـمين الـجزائـريّــيــن بقـيـادة الــعلّامـة
عبد الحميد بن باديس" بثانويّــة الشّهيد ــ محمّد بـعيـطيـش ــ عين أزال.
الــثّــانـيـة: الــذّكــرى الــثّــالـثــة والأربـعــون لــعـــيــدي الاســـتــقــلال
والــشّــبــاب، والــتي كـــانــت تـحـت عــنـوان: "عـيـد الاستقلال بـين
الأمـس والـيــوم ــ 1962/2005" بـمـركـــز الـــتّـكــويــن الــمهـنـي والـتّـمـهيـن
ــ اَمـحـمّـد بن قمـيـر ــ عين أزال.
الــثّـــالـثــة:
كـانـت بـمـنـاسـبـة ذكــرى مـجــازر 08 ماي 1945 في
ذكراها الـثّــانية والسّــتـين ( 1945/2007) بـثـانـويّـة
الـشّـهـيـد مـحـمّـد بـعـيـطـيش ــ عـين أزال ــ بـعـنـوان: " مــاي شـهـر
الأحــداث الـكـبـرى"
سـأكــتـفي
بالــتّحـدّث عن الـمحطّــتـين الأولى والـثّـالـثـة لما لهما من قاسم مشتــرك من
خلال مــا تطرّق إليه الدّكـــتــور ــ رحمه الله ــ فـي الـجانـب الــتّربـوي،
أمّــا الــمــحطّــة الـثّــانـيـة فأحـبـبت أن أجــعـلــها مــدخــلا
لالــتــزام أخــلاقيّ كــان في أجــنــدة الــدّكــتــور أن يـخـصّص لــها
وقــفـة تُـــضَــمُّ إلى تلك الـمــحطّـــات، حــيـنـمـا أراد أن يـقـدّم شـيـئـا
عن عين أزال الــتّــاريخ لـمّــا طـلــب مــنــه ذلك أحد الحــاضـريـن، كــأن
تُــنَــظَّمَ نــدوة أو يــومـا دراسيّــا خــاصّــا بـتـاريـخ عين أزال. والجميل
فـي ذلك عــندما أجاب بأنّ: "الحديث عن تاريخ المنطقة نــتـحـدّث عـنـه
وســكّـانه ينطلقون إلى جــانب أحمد بــاي في مقاومة الاستعمار، أو نــتــحـدّث عن
ســكّــانه في ثورة الـمـقـرانـي، أو نــتـحــدّث عم دور ســكّــان عين أزال في
ثــورة 1916 في
الأوراس".
ويسـتــدلّ
على ذلك الــدّور الـتّـاريـخـي لأهل الـمنطـقـة فـي وصـف أحــد الشّـــعــراء،
وهو الـشّــاعر الـشّعبـي: (أحمد لوصيف) حين يـتـحـرّك فـي هـذا الـخـطّ بين
مَسْــتَـاوَة ـــ أي مروانــة ـــ و عين أزال وخــلّــد ذلك في قصيدة الــمـلــحــون.
يقول عنها الأسـتـاذ مـخـتـار فـيـلالـي أنّــهــا من أروع مــا قــرأت
بالــنّسـبـة لدور الـشّــعــر في تسجيل أحداث الــتّــاريــخ. يقول ــ رحمه الله
ــ على لــســان الـشّــاعــر فـي وصــف الـجــرائم الاستــعـمــاريّــة ومــا
حــدث للــسّــكّــان في هــذه المناطق. يقول الــشّــاعــر:
مَـــنْ
مَــسْـتَـــاوَة لــعـيــن ازال كـَــــثْــرَتْ فيــها لَــهْــوَال
اذَّبْــــحـَـــــتْ فـــيــهـــا لَـــمْـــــوَال
واتّـــخْــــذَتْ الـــعــربـــيّـــــة
يضيف
الـدّكــتــور شـارحـا: (أي أنّ الـعـرب ما أبـقـت فـيـهم فــرنـســا ولا شيء
ســليـم). ثــمّ يســتــأنـف على لـسـان الــشّـــاعـر قــائـلا:
الــــرّجـــــال دَهْـــمُــــو
لَــجْــــبَـــــال والـــسَّــــنِــــيـــغَـــــالْ حْـــيَـــاكْ
وزَرْبــِـــيَّــــــة ( يعني الــنّـهـب)
الـــمَـــدْفَــعْ والــكُـــــورْ يـــنِــــيـــّـــــرْ
والــقِــيَـــادْ والــدْوَارِي في
الــرّجــال اتْــخَــيِّـــرْ
حيث أراد
من خــلال هـذه الـقـصـيـدة الــكـشــف عــن الــدّور الــتّــاريــخـي
والــحـضــاري لــسكّــان منـطـقــة عين أزال. لــكــن الــحـقّ كـان أســرع مــن
شـهــادة الــحـقّ الـــتّــاريــخـي، فــقــد رحــل عــنّــا الــمعـلّــم إلـى
دار الــحــقّ ــ علـيـه رحـمـة الله ـــ ونــكــون بذلك قــد فــقــدنـا
حــلــقــة هـــامّــة مـن حــلـقــات تــاريــخ ثــورتــنــا الــمـجــيــد، بـل
تـاريـخ أجــدادنــا وعلمائــنــا وعــمــرانــنــا. كـيـف لا !؟ وهــو الــمــؤرّخ الــشّــاهــد والــمـحقّـق الــمُـدقّــق،
ومَــنْ رأى لــيس كــمـن ســمِــع.
أمّــا الــمحــطّــتــان الأولى
والــثّــالـثــة، فيعلّمنا من خلالهما أنّ إحياء مثل هــذه الــذّكـريــات
عِــظــة وعبر لمن أراد أن يـتّــعــظ ويـعـتـبـر، والــذّكــريــات تاريخ
حــتّــى يـُـوقَــظَ فـيـنـا الـضّــميـر. لــذلك كان يسـتـسمـحــنــا بأن ننقل
عقولنا وشعورنا إلى الوراء إلى فترة ليست بالقصيرة (40 سنة) من 1914
بــدايــة الحـرب العـالـمـيّــة الأولى، إلى 1954 لانطلاق الشّرارة الأولى
لــثـورة يصفها بالعملاقة كونها تـمـثـل مـعـجـزة الـقرن الـعشريـن. مـعـجـزة لأنّ
فـرنـسـا عـندما دخـلت الجزائر لم يكن عـندنـا أمّـيــة، لـم يكن النّــاس ــ
بشهادة الـفـرنـسيـيـن ــ "لـم يـكـونـوا يـبـصـمون بـأصـابـعـهم".
كما تحدّث
بإسهاب عن الجانب الـتّـربوي لابن باديس ورفـاقه، فهو فـي لبّ معـتـقـده مـرجع
تربويّ لا يمكن الاستـغـنـاء عـنه لأنّه قائم على الـمدارس والـمعـاهـد والكـتـاتـيـب
والـزّوايا والـمسـاجـد والـــنّــوادي فـي الـجـزائـر وفـي فـرنـسـا فتي تـعـلـيم
أبـنـاء الـمـغـتـربـين وتـعليـم الأميّين الـكـبـار الذي جـعـلوه من مـهمّــاتـهـم
الأسـاســيّـــة. كـما أنّــه ــ رحمه الله ــ يـجـزم بـأنّــه " لا يـمكن
إحداث أيّ تـغـيـيـر فـي الجزائــر إلّا بواسطة المنظومة التّــربويّة ".
ويؤكّــد بعدها بأنّ " كلّ مساس بالمنظومة التّربويّة يُــعـدّ مساسا بمصير
أمّــة بأكملها، ويبقى الإسلام والعربيّة والتّــاريخ والعلم والفضيلة هي الرّكن
الأساسيّ للمنظومة التّربويّة إذا أرادت هذه الأمّة أن ترتقي إلى مصاف الدّول وأن
تنافس الدّول المتقدّمة، لا سيم غطرسة الصّهيونية والفرعنة الأمريكية التي تريد أن
تفرض علينا عولمتها، والعولمة معناه " أمــركة وصهينة العالم ، ولا تكون
الوقاية من هذا وذاك إلاّ بالوفاء لابن باديس والإبراهيمي والشّهداء الذين ماتوا
لنحيا واستشهدوا لنبقى" وهذا يقتضي حسبه أن نعمل لتبقى الجزائر واحدة
موحّــدة وطنا وشـعـبـا ولــغـة وديـنـا، وتـاريـخـا وحـضـارة وعــدالة وسـيـادة
".
لـقد دعـانا
لأن ندرك مثـلمـا أدرك شـهداؤنـا بالأمس أنّ "قـوّتـنـا فـي وحــدتـنـا
وعـزّتـنـا فـي ديـنـنـا ولــغــتـنــا وتـاريـخـنـا، وسـعـادتـنـا فـي الـعـدل بـين
أبـنـائـنـا، لأنّ الـعـدل أسـاس الـمـلك".
وفي تـوجـيـهـه الــتّربـويّ للجـيل، ونـحـن
نـعـيش هجمـة عـلى الـدّين والــتّـاريخ حـين تكـلّم عـن خـدمـة الإنـسـانـيّـة،
قال بصريح الـعبارة: " إذا كان ديـنـنـا يـفـرض عـلـيـنـا خـدمـة الإنـسـانـيّـة
عـــامّــة، فـإنّ وطـني يفـرض عليّ أن أخـدمــه أوّلا. والـعـبرة لـيـسـت فـي قـصـور
ولا عـمـارات ولا ضـيـعـات، بـل عـلم يـنـتـفـع بـه الأجـيـال" هـذه الـحـريّـة
الـتي نـلـنـاهـا بـفـضـل الــشّـهـداء والـمـجـاهـديـن، يـنـبـغـي عـلى الــنّـشء
مــن خـلالـهــا:
ــ الاعـتـمـاد
عـلى الــعلم والــعلم وحـده، والـثّـقـافـة الـواعـيّـة الــمــدركة هي غـرس
للورود واقـتـلاع للأشـواك أمـام الـمـجـتـمع. كما يـؤكّــد أنّ: "الــمـثـقّـف
هــو الـذي يقول رأيا ، ويتّــخذ موقفا ، ويتحمّل مسؤولـيّـة".
ـــ الـشـّـدة تـلـد الـهـمّـة: يصف الأستاذ الحكيم ــ
رحمه الله ــ حالة الـشّعـب الـجـزائـريّ عند احتلال العدوّ أرضه سنة 1830 فيقول:
" أنـّــنــا عندما كــنّـا جياعا في 1830 كنّا أقوياء والعدوّ ضعيف،
ولـكـنّـه انـتـصـر عـلينـا لأنّــنــا كـنّــا مـغفّـلـين ( جـايـحــين) ولـكن
عـنـدمـا اسـتـيقـظـنــا وضعت فينا همّة رجال جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّــين
اليقظة والوطنيّة فهزمناه ونحن ضـعـاف والـعدوّ قويّ، وانـتـصـرنـا عليه لأنّ
الـوعـي عـوّض الــغـفلــة، ولأنّـنـا كــنّــا على وعـوي وهم أصبحوا جياعا "
ولكي نكون أوفياء لابن باديس والشّهداء يـعــود ويذكّــر: "علينا أن نجعل من
أركان منظومتنا الـتّـربـويّـة، ومن أركان حياتنا، الإسلام والعربيّة والـتّـاريخ
والـعلم والفضيلة والـعـدل هكــذا كان ابن باديس والإبراهيمي ومصطفى بن بولعيد ،
وهكذا كان الأمير عبد القادر والأمير خالد وغيرهم"
ــ الحياة قول وعمل: ينطلق الـدّكــتـور فيلالي ــ رحمة الله عليه ــ من مبدإ
في الحياة ينير لك العمل الصّالح في الأمـور كـلّهـا، فيقول: " علينا كمؤمنين
أن لا نُــقْـدِمَ على عمل حتّى نعلم حكم الله فيه، وكُــلٌّ منّــا مسؤول عن كلّ
قول وعمل. وإذا أدركــنـا كمؤمنين أنّ خلاصة حياتنا ثلاثة لكلّ فئات المجتمع،
للحاكم والمحكوم ، للفقير والــغـنـيّ: "قماطة كـقماطة الولادة، ودفــتـر
الأفعال، وحـفـرة في الأرض".
وعلى هامش هـذه الـوقـفـة لا تــنـقطع
تــوجـيـهـاتـه في كلّ مــرّة حين تُــذكــر أمــامــه مـنـطـقة من ربوع الجزائر
الــمـتـرامية، فيذكر علماءها ودورهم في بعث الهـويّـة العربيّــة والإسلاميّة
فيذكر عطاء علماء تيزي وزّو وفضلهم كابن معطي الزّواوي صاحب ألفية النّحو في الوطن
الإسلامي والعربي كافّــة، وهو الذي خدم العربيّة أكثر من من أيّ مخلوق آخــر.
وابن آجــروم، ومولود قاسم نــايت بلقاسم، والشّيخ الحسين بن محمّد السّعيد
الورتلاني الـرّحّـالـة الجزائريّ ( جــدُّ جــدِّ الـشّـيـخ الـفضـيـل
الـورتلانـي)، صاحب الـرّحلة الـتي أنـجـز عليها الدّكـتور مخـتــار فيلالي دراسة
معمّقة سنة 1978م موسومة بـ ( رحـلة الـورتـلانـي ــ ) ... والقائمة
طويلة جدّا. لــذلك ــ رحمه الله ــ نجده أين حــطّ بوقـفـاتـه إلّا ويصدر موقـفـا
متمـيّـزا من حيث حـثّــه على تنظـيم مـلـتـقـيـات "للكشف ورفع الـسّـتـار
ونـفـض الـغـبـار على الــدّور الـحـضــاري والــتّــاريـخـي للمنـطـقـة حتّــى لا
نُــقـزّم هــذه الـجــهــود ــ كما وصف ــ قائلا: " ... ونـحـن عـلى قـيــد
الـحـيـاة لا نقـبل الــتّــقـزيم".
اسمحوا لي أيّها الجمع الكريم أن أقـف عـنـد
هذا الـعَلَم الرّحّــالة وأنقـل إلـيكـم مــا نـقـلـه إلــيـنـا الـبــاحث
الـمؤرّخ الدّكـتور فيلالي ــ رحمه الله ــ لأنّ الموقف يـسـتــدعي الـنـّـظـر
والـتّــمعّــن في ما جاء من أخبار هذه الــرّحلة وما اكــتـنـفـهـا من أحــداث
هامّــة. لـقــد ذكـر لـنـا بـأنّ الـرّحلة كــانت تـتـضمّـن ثـلاث رحـلات،
انطلاقا من سنة 1740م من الـحجـاز، ثـمّ سجّــل هــذه الـرّحلات الثـّــلاث
في رحلة واحــدة، أين كـان الــرّحّــالــة أمـير ركب الحـجيج من أمــدوكــال أين
يجـتــمع كــلّ الــجــزائــريّــيــن من أمــدوكــال ومن هناك إلى الــحـجــاز،
وتــحــدّث فـيـهـا عــن مـحـطّــة قـصـر الـطّـير. حـيــث أنّ الشّـيخ الـحـسيــن
الورتلانـي في رحلته سنة 1760 اقــتـرح حـيـنـهـا مـتــســائلا: " لــمـاذا لــم
تــكـن قـصـر الــطّـيـر هي عــاصمــة الـجــزائــر... ؟؟" مـبـديـا
الــدّكــتور وموضّــحــا عــلّــة ذلك: "... وهــذا بسبب خـاصّـيـتـهـا
الــطّـبـيــعـيّــة الــمـتــميّــزة والـجــغـرافــيـة، من مـروج واتّــســاع
أرضــهــا" أي تُــبـنى الــعـاصـمــة في قـصــر الــطّـيــر. ولــكم أن
تـتــصــوّروا قـيــمـة هـذا الـمقــتــرح ورجاحـتـه وميزان نـظرة الــرّحـالـة لذلك؟؟
ــ تــبــنّــيه لـمنـهـج الــعمـل الــبــاديـسي: يــقــرّ الــدّكــتـور فـيـلالـي بـأنّ ابن بـاديـس
كـان عمليّــا في مـعـالـجــتـه لـمـخـتـلف الـقـضـايـا، وهــو بــدوره يُــوجب
على أن يــخــضــع كــلّ عـمــل للتّــطبيق وتــجسيــده في الميدان، فإذا تــجـسّــد
قــُــبِــلَ وإذا ثـبـت الـعـكـس ألــغــاه لأنّ الــوقــت عــنــده أثــمــن شيء
ولا يجب تــضـيـيــعــه، ومــا يُـنـقـص قيمة الــوقت هــو الــعـمــل
الــفـوضويّ، إذ يــعـتــبــره إضــعــافــا للــجــهــود لأنّ الــشّيء
الــمُــحـَـلِّــقَ ليس لــه مــكــان ثــابـت. يُــقــرّ الــدّكـتور هــذا
الـحــرص الكبير لابن باديس على الــوقت ويــؤكّــده على الـرّغــم من سياسة
الــتّـرهـيـب والاعـتـقـال ولكن جمعيّة الــعلـمـاء أصــرّت على مـواصلـة
المسيرة، حيث كان أعضاؤها يسـتــغـلّون الـوقت بشكل منتظم، فابن باديس كان يقسّم
الأسبوع إلى: ثلاثة أيّــام في قسنطينة، ويومين في العاصمة، ومـثـلـهـا في
وهــران. وكذلك الشّيخ البشير الإبراهيمي والشّيخ الطّيب الـعقـبي, لــذلك فهو
يــوجب استــمـراريّــة ومــواصــلــة الــتّــوجــيــه والإرشــاد فـي كــلّ مكان
وزمــان، وتــحــت أيّ ظــرف كــان.
ــ إشــكــالــيّــة الــتّــوجــيــه والإرشــاد عنــد
الــدّكـتـور فـيـلالـي ــ رحـمه الله ــ : يرى
بـأنّ هـذا الـجـانـب كانت تتمتّع به الجزائر قبل الاستقلال أكثر من اليوم، ولماّ جاء الاستقلال ظــنّ الــنّـاس
بأنّ الاستقلال هو الــمـُــوَجِّــه الـكـبـيـر فاسـتـغـنـوا عن الإرشــاد،
وهـنـا يــكمــن الخطر حسبه. ويــؤكّــد موقـفـه هـذا حـين يستدلّ بنظرة وفلسفة
الشّيخ البشير الإبراهيمي الذي فرض هندسة الــمـدارس الــحــرّة عبر القطر
الجزائري، إذ جُــعِــلــت 150 مــدرسة ذات نمط واحــد وهندسة واحدة وتــصـمــيم
واحــد، وعلّة هــذا الــتّــوحيد في الــتّـصـمـيم ــ حسبه ــ هــو:"ضــمــان وحــدة
الــذّوق ووحــدة الأفــكــار ووحــدة الــتّـــصـــوّر الــعــام عند الاجيال
الجزائريّــة ، حتّى تـتمكّــن من تــحــرير نفسها من الــعــدوّ". وهنا يربط
العلم والعلماء بالــثّــورة الــجــزائريّــة التي لــم يــقُــدْهــا علم
كــبـير، لكن دور العلم والــمـربـّي إبّــان ثــورة الــتّــحـريــر
اسـتـراتـيـجـي من حيث الــتّـــوعـيـة وتوجيه الــنّــفس والــعــقــل. وما
يــدلّ على هــذه الأهـمـيّـــة الــتّــربــويّــة، أنّ فـي قـامـوس فرنسا
الـتّــــدميريّ أنــّــهـا تــلاحـق في الــجــزائــر أربــعــة مــحــكــوم
عليهم بالإعــــدام والــمــوت الــمسـبــق، وهــم: ( الــتّــلميـــذ الــذي
يــدرس، والــمـعـاّــم الــمـدرّس لــه، والــعــابــد الــمـصــلــح، ورجــل من
الأعــيـــان) لــسبب هو: تـفــريغ الــمـجتــمــع من الــشّــموع
والــمصـــابيــح.
أمّـا
اليوم علينا أن لا نـغــتـرّ هكـذا لأنّــنــا أحرار، والـشّــهــداء حـرّروا
الأرض والـشّـعـب والـعـقـيـدة، ينبغي أن نكون حريصين على حماية الأمــانة،
والأمــانة هي الـجــزائــر الـعــربيّــة الـمـســلــمــة الـمـستــقــلّــة
الـسّـيّــدة.
أمّــا
الـمـحطّــة الــثّــانــيـة،وهـي الـــذّكــــرى الـــثّـــالـــثـــة والأربــعــون
لـــعـــيــد الاســـتــقــلال والــشّـــبــاب، والـمـوســومــة بـــ " عيد
الاستقلال بين الأمس واليــوم ــ 1962/2005 "
فـقـد سبق فـي مــدخــل هذه الـكلمة وأن أشرت إلـى فــحــواهــا بـاخـتـصـار
شــديـد، واكــتـفـيـت بـحـصــر مضمون مـقـالـي بالحديث عن المحطّــتــين الأولــى
والـثّــالــثــة كــونــهمـا يــتــقــاطــعــان فـي الــمــوضوع الـذي
اجــتــمعــنــا من أجــلــه وهو: الـدّكــتـور مـخـتـار فـيـلالـي الـمـربّــي,
أمّــا الـثّــالــثــة فـكـانـت فـي
وقـفــتـه عـنـد ذكــرى مـجــازر 08 مـاي 45 فـي
ذكــراهــا الــثّــانيـة والــسّــتــين 08 ماي 1945/2007م، في مــحــاضــرة قــيّــمــة تــحـت عــنــوان "مــاي شــهــر
الأحــداث الــكـبــرى". وعـن سـبـب اخــتـيـاره الـمــوضــوع يـقــول:
"أدركــت أنّــنـي ســأقــف أمـام الــطّــلــبــة والــطّــالــبـات في
الــثّــانويّــة ولا بــدّ لهم من مـعـرفــة مــاذا حــدث مـن أحــداث في شهر
مــاي، وأهــمّ حــدث تــربــويّ مـنــذ احــتــلال فـرنسا للجـزائـر،
والـمـتــمـثّــل فـي: تــأسـيس جـمـعـيّـة الـعـلمـاء الـمســلـمين
الــجــزائــريّـيــن بـقـيـادة عـبـد الـحمـيـد بـن بـاديـس ــ رائــد
الــنّــهـضــة الــعـربـيّــة والإسـلامـيّـــة فـي الــجــزائــر ــ وجــاء
هــذا الـعـمـل كــتــأديــب وردّ عــلى فــرنـســا، حــيـث قــامـت
بالاحــتـفــال بـمـرور قــرن عـلى احـتــلال الــجــزائــر، ويُــمــيــط
اللّـثــام على الــدّور الــتّــربــويّ للكشّــافــة الإسلامـيّــة وبــدعــوة
مــن ابـن بــاديــس لـيـقــوم مـحـمّـد
بــوراس ــ رحمه الله ـــ بـتــأسيس الــكشّــافّــة الإسـلامــيّــة
الــجــزائــريّــة وبــقــيــادتــه، ووضع لــهــا أنــاشـيــد من قِـبَــل
الـعـلّامــة عبد الـحمـيـد، وبــالــتّــالـي فــصــل الـشّــبـاب
الــجــزائــريّ عــن الــكشّــافــة الــمسيــحـيّــة والـكــاثــولــيـكـيّــة
والــيــهــوديّــة وغــيــرهــا وكان ذلك سنة 1934م ولــم يــحـصــل على
الاعــتــمــاد إلّا ســنــة 1936م.
أمّــا الــتّـلاقح الــتّــربويّ
الــثّــالث فـي هذه الــمــحـطّــة فــيؤرّخ لــه الــدّكــتـور فـيـلالـي بـيـوم
تــاريـخـيّ وهو:
ــ 19 مـاي 1956م: يـربـط ذلك لــمّــا لـبـّــى
الــطّـــلــبــة نــداء الــثّــورة فـي الــثّــانـويّـــات وفـي الــجــامــعــة
الــوحـيــدة في ذلك الــوقــت، ومن الأزهــر والــزّيـتــونــة والــزّوايــا ومن
مــدارس جــمـعــيّــة الــعـلــمـاء الــمسلــمـيـن. وهــنــا يــبــدو الــدّور
الــتّــربــويّ واضــحــا وجــلــيّــا في تــأثــيـر حــمــلـة الــعــلــم على
مــســار الــثّــورة وإنــجــاحـهــا من خلال الاسـتـفـادة من مــكــتــسـبـاتهم
الــعـلــميّــة أمــثــال الــشّـهيــد:"عــلّاوة بن بـعــطــوش،
والـمـجــاهـد عـبد الــسّــلام بــلعـيــد، ولامين خــان ... وغيرهم كــثـير".
تحت رايــة " الاســتــشــهــاد قـبــل الــشّــهــادة". هؤلاء
مــجــمـوعــة كـبـيـرة مـن الـطّـلـبـة الـذيـن غــادروا الــجــامــعـات
والـتحـقـوا بـالـثّــورة، وفعلا أنّ الـثّــورة استفادت من مـعـارفـهم
وبالـتّــالي نـقـول أنّ: "الــثّــورة الــجــزائريّة الــتحم فـيهـا الـعمل
بـالــعـلم، أو الــعـلــم بـالـعـمـل ومتى امـتـزج الــعـلم بشيء إلّا
نــجــح",
ويـربـط الــعــلم والـعـلمـاء بـالـثّـورة
الـجـزائـريّـة مــرّة أخـرى، ويـتـسـاءل عن رأي الآخر فـي الـــثّـورة الـجـزائـريّـة
الـتي لــم يــقُــدْهــا عِـلْـمٌ كـبـير، فيضرب لــنـا مثلا عن "الـقــائــد
في جيش الــتّـحرير إبّــان الــثّــورة وهو برتبة عقيد، يتقاضى 1500 فرنك في
الشّــهر، ومعلّم القرآن حينها كان يتقاضى 5000 فرنك في الشّهر،
والـمُـدَرِّسُ 8000 فرنك في الشّــهــر. وهــذا إنّــمــا يــدلّ على دور
الــمـعلّــم والـمــربّــي إبّــان ثــورة الــتّــحـرير ودوره الاسـتراتـيجي فـي
الــتّـوعـية والـتّـوجـيـه".
نبقى دائما عـنــد هـذا الـيـوم
الـتـّــاريـخـي الــثّــوري (19 ماي 1956) الـمحـفـور فـي سـجـلّ ثــورتــنــا الـمظــفـرّة،
ويـعـقّـب عـلـيـه الـدّكــتــور فـيـلالـي بنبرة تـغــمـرهـا الــحـسرة والأســف،
يقول: " ... أمّــا إذا حــاولــنــا أن نحـيي 19 مـاي
الــيــوم كم نـجـد من الــتـّــنــظيمـــات فـي الـشّــبـيـبــة وكـم فـي
الــكــشّـافــة، وكــم فـي الــطّــلبــة في الــجــامـعــة ..؟! الاتّــحـاد الــوطـني للطّـلـبـة
صــار الآن سـبـعـة عـشـر(17)
تــنــظيــمــا في الــجــامـعــة, لا نـسـتـطـيـع أن نــقــول شيء إلّا أن
نـقــول أنّــه عــمــل تــخــريــبـيّ يــسـتــهــدف وحــدة الــشّـعــب
الــجــزائــريّ وإضــعــافــه أمـام الاســتـــعــمـــار الــجــديــد الــذي تــقــوده
أمــريــكــا وأوربــا والــصّــهـيــونـيّــة الــعــالــمــيّــة الـتـي
اعــتــمــدت الإرهــاب كـأفـضــل وســيــلــة مــفـضّــلــة للــسّـيـطــرة على
الـشّــعــوب من جــديــد".تلك إذا كــانــت فـلسـفـة الــمــربّـي الـحكــيم
مـخـتــار فـيـلالـي فـي الـعـبـرة مـن هــذه الــذّكرى ورســالــتــه للأجــيـال
الـصّــاعــدة,
ثــمّ يـنقـلــنــا في هــذه
الــمـحـطّــة إلــى وقـفـة إجـلال وإكــبــار لأحــد عــلمــاء الـجــزائر
الـكــبــار والأفــذاذ، الــذي تــرك بصـمـاتـه في الــجــزائر بــل في الـعـالــم
الإســلامــي قـاطـبــة، إنّــه الــعـلّامــة الـشّـيــخ " الـبـشـير
الإبـراهـيمـي" في ذكــرى وفــاتــه
الــمـصــادف لـيـوم 20 مــاي 1965م ، ويــدعــو في مــحــاضــرتــه الــطّلبة
والــطّـالــبـات مـوجّــهــا إيّــاهـم قـائـلا: "لــو يــتــفضّــل أبــنــائي
الــطّلــبــة ــ إشــارة إلى الـحضور منهم ــ ويـقــومـوا بـقــراءة بـعـض ــ لا
أقـول كــلّ شيء ــ بــقــراءة بــعض تــراثــه أو مـقــالاتــه عــن الــطّـلـبـة
أنــفـســهــم، لــكــفـاهم ذلك بـأن يـنـهجـوا الـمنـهج الـصّحـيح، وأن
يسلــكــوا الــسّــلـوك الــقــويـم لــتــحـقيق أهــدافهم والأهــداف
الــمــرجــوّة من الــوطن لــديـهـم".
وهنا يقف الــمــربّــي مختار فيلالي ــ رحمه الله ــ مــتــأسّــفــا على
مــا يشــغـل بــال أبــنــائــنــا الآن وهــم في مــعــزل عــن الــعـلــم
والــمـعـرفــة، وكــان الأجــدر في قــولــه: " ... أن نــعـلّـمـهم، أن
نـعــرّفــهــم بالـعـظـمـاء من أجــدادهم وبــمــا تـركــه هــؤلاء انــطلاقــا
من الــحـكمـة الــقـائـلــة: " مــعــرفـة حــيــاة الأجــداد درس
وتــجــربــة للأولاد والأحـفــاد" فـي إشــارة صـريــحــة إلـى الــدّور
الـذي يــجــب أن يـقــوم بــه رجـالات الإعـلام في حــقّ أولــئـك الــعـظـمـاء
وتـلك الــقــدوة الــفـريــدة من نـوعــهـا (
ابن بــاديس والإبــراهيمي ومصطفى بــن بـولـعـيـد ,,, وغيرهم، بـأنّــهـم
الــقــدوة الــصّحيحة للأجـيـال الـيّـوم وغــدا الـذين هـم أولــى بــأن
تــعــرفــهـم الأجــيــال.
ويستمرّ في عــرض هـذا الـواقـع
الـمـحــتــوم لــيــزداد مـعــه في الــجــانب الآخـر تــفــاؤلا يـكـبـر
ويــتــعــاظــم حــينــمــا يـبـعـث الــثّــقــة ويــحــييــهـا في
الـمستــمــعيــن خـاصّـة الــطّلبة مـنـهـم ، ويــجــزم في حـديثــه بـأنّ
"لــديــنـا الــيـوم طــلــبــة وطــالــبــات رضــعــوا الــوطــنيّـة فـي
حــلـيـب أمّــهــاتــهـم"
فـي آخـر هـذه الــمــحطّــة من مــحـاضرتـه
"ماي شهر الأحـداث الـكبرى" يــوجّـه خــتــامـهــا إلـى الــطّـلـبــة
والـطّــالــبــات، ويــسـتــســمـحـهم للإشــارة عـن ســبـب تـنـقّــلـه من
مــديــنــة بــاتــنــة إلـى عين أزال ثــمّ بـعــدهـا إلـى ثــانــويّــة
بـبــلديّـة أخــرى، وغــدا إلــى غــيـرهــا فـي شـمـال الــبـلاد وجـنـوبــهـا
وشـرقـهـا وغــربــهـا، فــيُــفـصِـحَ عـن عـلّــة ذلك قــائــلا: "دفــاعــا
عـن أربــعــة: عــن الإسلام، وعن اللّـغــة الــعـربـيّـة، وعــن الــتّـاريخ
الــوطـنيّ، وعــن الــوطـن. ثــمّ يـفــتــرض ـــ رحمة الله عليه ــ ســؤال
أحــدهـم لــتــرويـض الـعــقــول قــائــلا: "ويــسـأل بـعــضكم: لــمــاذا
الـــدِّفــاع عــن هـذه الأربــع؟ ". فــيــجـيــب ــ على طـريـقـة
الــمـونــولــوج ــ مُــحَــاكِــيــًا: " لأنّ هــذه الأربــع
عــلّــمـنــا الــتّـاريــخ أنّ: الإســلام والـعــربـيّــة والــتّـاريـخ
والــوطـن هــي: عــوامـل وحــدة الأمّــة، ومــصــادر قــوّتــهـا، وسِــرُّ
انـتــصــارهــا عـلى أعــدائــهـا. فـفــرنســا طوال احــتــلالــهـا
للــجــزائــر كــانــت تـحـارب الـفـضــائــل وتـشــجّـع الــرّذائــل، فــطوال وجــودهـا
حــاربــت الإســلام، وحــاربــت الــعــربـيّــة، وحــاربــت الــتّــاريــخ،
وحــاربــت الــقـيـم والــوطــنـيّــة". لــذلك فــهــو لا يــتــردّد بــأن
يـصــف الاســتــعــمـار بــأنّــه كــتــلــة مـن الــشّـــرّ فــوق الأرض
تـتــربّـص مــغـفّــل أو ضــعــيـف لــِتَــنْـقَـضَّ عــلـيـه، ويــسـتــغـلّ
مـوقـفـه لــيــحــذّر الــنَّــشْءَ مـن أن يــكــونـوا ضِــعــافــا أو
مــغــفّــلـيــن مـســتــدّلا بـقــول الــشّــاعــر:
فـَـالـقِــرْدُ ذُو قُــبْــحٍ وَإِنْ
زَيَّـــنْــتَــهُ *** وَالْــبَــدْرُ لَا يَــحْــتَـــاجُ لِلــتَّــزْيـِيــنِ
لــكــنّــنــا إذا أردنــا أن نــكــون
أقــويــاء غـيــر مــغــفّـلــيــن ــ كــمــا يــشــيـر الــدّكــتــور رحمه
الله ــ يــجــب عــلـيــنــا أن: "نـلــتــزم بـقــول ابــن بــاديــس
عــنـدمــا قــال: " أركــان نـــهــضــتــنــا: الإســلام والـعــروبــة
والــعــلـم والــفـضـيــلـة، فــإذا نــحـن تــمسّــكــنـا بــذلك ســنــكــون
أقــويــاء ولـن يــســتــطيـع الاســتــعــمــار أن يــحــتــلّــنــا أو
يُــهـيمـن عـلـيــنــا مــرّة أخــرى، ذلك أنّ أكــبـر ســلاح نــواجــه بــه
الــعــدوّ الــيــوم هـو ســلاح الــعــلم والــفـضــيـلـة والــعــروبــة
والإســلام والــتّــاريــخ والــقـيـم الــوطــنـيّـة". ومــا فــارق
لــســانـه هــذا الــدّعــاء فـي أيّ مــجـلـس وفـي أيّ وقــفــة "راجــيــا
الله أن يــحـفــظ الــبـلاد، ويــهــدي الــعــبــاد، ويُــصــلِــح
الأولاد".
أســتــســمــحـكم فـي خــتــام
كــلــمـتــي هــذه الـتـي تــنــحــنـي تــواضــعــا فــي ذكــر مــنــاقــب
هــذا الــرّجــل وتــعــداد مــواقـفــه الــمـخـلــصــة والــمشـرّفــة، هــذا
الــنّــجـم الــسّـاطع الــذي وَهَــبَ نــوره مــنــذ نـعــومــة أظــافــره فـي
سـبـيـل الــوطـن والـعــلم والإســلام والــعــروبــة والــتّــاريــخ
والــفــضـيــلــة، وفــي سبيل مـاهـو خـير لـلـبـلاد والــعـــبــاد، لــيـنـيـر
درب الــخَـلَــف فــكـان بــحـقّ خــيــر سَــلَــف. وتــعـجــز عــبـارات
الــوصـف والـــمــدح وهي تــتــسـابــق لأن تَــصْـنَــعَ مَــجْــدًا،
لـِــيَــرْضَــى عــنــهـا مـن كــان سَــبَــبًــا فـي الــمــجــد
والــسّــيــادة والـــرّقــيّ والــحــرّيــة ... لا وألــف لا لــن تَــفِــيَــكَ
حـَـقَّــكَ.
مــا عــســانـي أقــول فــيــك يــا
مُــعــلّــمــي إلاّ أن أقــتــبــس مـمّــن عــلّم آدم الأســمــاء
والـصّــفــات من كــلــمــاتــه الــتّــامّــات ــ جــلّ شــأنــه ــ
وأرجــوه ــ تـعـالـى وأكــبــر ــ أن لا
يــؤاخــذنـي فـي قــولــي وقــولــه الــحـقّ، الــقــائـل في سـورة الــكـهـف الآيـة 109 بـعـد
بسم الله الرّحمان الرّحيم: "قــُلْ لَّــوْ كـَـــانَ الْــبَــحْــرُ مـِـدَادًا
لِــكَــلِــمَــاتِ رَبِّــي لَــنَــفِــدَ الْــبَــحْــرُ قَــبْـلَ أَنْ تَــنْــفَــدَ
كَــلِـمَـاتُ رَبِّـي وَلـَـوْ جِـــئْــنَــا بِــمِــثْــلِــهِ مَـــدَدَا".
أمّــا اقــتـبـاس الــمـعــنى مــن قـولــه تـعــالـى يَــهَــبُــنــي بـِفـضـلٍ
مــنــه أن أقــول فـي الــدّكــتــور الــمـربِّــي مــخــتــار بــن
الــطّــاهـر فـيـلالـي: (قــل لــو كــان كــأس الــمـاء هــذا مــدادا
لــعـبــارات الــمــدح والــوصف في مـعــلّــمـي مــخـتــار لــنــفــد الــمــاء
قــبـل أن تــنــفــد عـبـارات الــمــدح والــوصف ولــو جـــئــنــا
بــمــثــلــه كــأســا). نــســأل الله ســبــحــانــه وتــعـالــى أن يـجــعــل
عــلـمــه غــيـثــا نــافــعــا.
والــســلام
عــلـيــكم ورحــمة الله وبركــاتـــه
بقـلـم الأسـتـاذ: سـمـيـر بــونــادي
رئيس جمعية آفــاق للـثّــقـافــة والإبــداع ــ عين
أزال ــ
بــاتــنــة في: 21 مارس 2015






















