
أجرى الحوار الأستاذ عبد الله لالي
............
- أحببت أن أسألك عن تاريخ تجلّي فكرة المدرسة الكعبيّة في ذهنك ، وبدء نسجك للأشعار على منهجها ..؟
وهل هناك من حمل الفكرة معك في العالم العربي أو دعا إليها ولو تلميحا إن أمكن ..؟
ج- لا أعرف بالضبط متى تسللت إليّ فكرة ( المدرسة الكعبية) ، غير أنّي منذ سنوات لاحظت أنّ الشعر الإسلامي الملتزم يعيش الكثير من الهزال والضعف ، وهو عادة شعر بكائي يدور حول موضوع ( المآسي) ... بينما شعر المدارس الأخرى يتسع وينتشر ويقوى .. كان ذلك مدعاة للتفكير في ماهية الشعر الملتزم ... وعدت إلى المنابع أبحث فيها ، وهالني هذا التبجيل والاهتمام الذي نالته ( بردة البوصيري) بموضوعها الديني البحت ..بينما لم تنل بردة كعب بن زهير رضي الله عنه أي اهتمام ، بموضوعيها ( الديني والعاطفي) ..حينها وصلت إلى قناعة أنّ بردة البوصيري تمثل نصف مدرسة فقط ، لأنها تهمل الجانب العاطفي .. أما القصيدة التي زكاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكرم صاحبها ، فهي تمثل النموذج بطرفيها ، العاطفي والديني ..
كنت أقول في نفسي : كيف يمكن إغفال ما زكاه رسول الله إلى ما لم يزكه ... ثم اكتشفت مع مرور الزمن فراغ الساحة الشعرية الملتزمة من قصائد الغزل العفيف ، وقصائد العواطف التي تحتاج إليها النفس البشرية .. وأدركت أنّ الناس حتى وإن كانوا ملتزمين ، خاصة في مرحلة الشباب والمراهقة، إن لم يجدوا قصائد عاطفية محتشمة وغزلية عذرية ، سيتجاوزون اللاموجود باتجاه الموجود الغزلي حتى وإن كان غير منضبط وغير عذري ..
ومن هذه النقطة انطلقت في المزاوجة بين الموضوع الديني والعاطفي العذري...في إطار مدرسة تنطلق من قصيدة ... لأن الأمم والشعوب لا تستطيع أن تكتفي بقصيدة قالها كعب بن زهير ، بل تحتاج عبر عصورها وأزمنتها وأوطانها إلى قصائد كثيرة على نمط بردة كعب ...
................
- سؤال آخر: لاحظت أنّ هناك شيئا جديدا في المدرسة الكعبيّة الحديثة تميّزت به عن المدرسة الأولى..قد يتلخص في بضعة نقاط:
1 - العلاقة القويّة بين الجذب الإيماني والجذب الجمالي ؟
2 - سهولة الأسلوب وبساطة الألفاظ ، لكن التركيب قيم وفخم كأنّه ولد جديدا ؟
تخصيص الحيّز الأكبر للنسب على خلاف ما كان يفعل الأوّلون ..؟
ج- ما لاحظته صحيح جدا .. والإيمان والجمال لا يفترقان ولا يختلفان ، فالله الذي نؤمن به واحد أحد يحبّ توحيده ، وهو كذلك جميل يحب الجمال...
وهنا يكمن سر المدرسة الكعبية ، فهي تبعد الإسلام عن صورته التي كرسها البعض ، بأنه لا يهتم بالعواطف وبالجمال وبالورد وبالعطر ....بينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الجمال ويحث عليه ، في السلوك والهندام والأخلاق ....
أما عن سهولة الأسلوب ، فإن الشعر عند العرب ( بيان) والبيان يعني الإظهار والإعراب ...( والثيب تعرب عن نفسها) ... فاللغة العربية بيان وإظهار وإعراب .. لذلك لا يمكن أن يكون الشعر بيانا وهو ضبابي تهويمي مبهم.. ولو رجعت إلى قصائد كبار الشعراء عبر التاريخ لوجدتها بسيطة واضحة ..جرير ، حسان بن ثابت، المتنبي ... حتى قصائد الجاهليين كانت على زمنهم بسيطة ومفهومة ...
4 - المدرسة الكعبيّة بدأت تشكّل بديلا قويّا للتيار الحداثي على الأقل في الشعر يعطي الوجه الآخر للإبداع المرتبط بالإيمان واكتسبت جمهورا قويّا..؟
ج- التيار الحداثي ليس تيارا أدبيا فقط ولا شعريا صرفا ..هو تيار فكري يشمل جميع مناحي الحياة ، الدينية والأدبية والسلوكية وحتى العمرانية .. وبرأيي فإن هذا التيار قد فشل على جميع الأصعدة ، وما نعيشه اليوم في منطقتنا هو مجرد نتائج لهذا التيار التخريبي الذي يتجاوز اللغة والمقدس وينفتح على المادية الغرائزية ...
أما شعريا فأنت ترى كيف انفضّ الناس عن الشعر الحداثي ، ولم يستطعموه ، ودليل ذلك هذه الملتقيات الفاشلة وهذه القاعات الفارغة وهذه المنصات التي تنصب لئلا يتحلق حولها أحد ...
لقد فشلت هذه المدرسة لأنها دارت حول الوهم ، فترى فيها الشعراء ولا ترى الشعر ، وترى الإعلام الثقافي الترويجي ولا ترى الثقافة ...لذلك وجدت المدرسة الكعبية المجال فارغا والظرف مواتيا فاندفعت وتلقفها الناس .. الناس الذين وجدوا في شعر الكعبية أناشيد يدندنون بها ، يدندن بها الفلاح في حقله والمرأة في مطبخها ... وذاك سر كثافة جمهور المدرسة الكعبية ..إنه تفاعل الناس مع شعر يتسلل إليهم ويمتزج بهم ويتداخل بحياتهم اليومية ونبضات قلوبهم ...
لذلك أقول إن المدرسة الكعبية في أسلوبها ( السهل الممتنع) هي مدرسة نزارية ( نسبة إلى نزار قباني) ، هذا الشاعر الذي حوّل الشعر إلى مستهلك شعبي يوم كالخبز والماء...لكن يضاف إلى أسلوب نزار التزام القصيدة ، وهو ما يكون نورا على نور ...
5 - دخول المرأة باقتدار إلى مضمار السباق في المدرسة الكعبيّة ..؟
ج- المرأة عادة ، وعبر التاريخ ، موضوع..لولا المرأة لما تغزل الشعراء .. لذلك كان الغالب من الشعراء رجالا لا نساء ..لأن المرأة هي سر الجمال والرومانسية ، والغزل ينصب عليها ، وليس على الرجل ...لذلك تكون صورة المرأة حبيبة وموضوعا أكثر وجودا منها شاعرة تغازل الرجل ..
رغم ذلك ، فإن وجود هذه الكمّ من الشاعرات ضمن المدرسة الكعبية يعطي الحياة المدرسة الكعبية طبيعيتها التي تجعل الحياة رجلا وامرأة...
غير أنّي هنا أنبه إلى أنّ المرأة الأميرة ، النموذج الجمالي الذي يجمع بين الرقة والأخلاق والحياء والجمال الحسي ، هي إحدى ركائز الإبداع في المدرسة الكعبية...لذلك تعمل المدرسة على تنمية جوانب الجمال في المرأة ، لتجعلها أميرة لائقة بالقصيدة وبالشعر..
لا يمكنني أن أكتب قصيدة في غير أميرة ، وأنت ترى أخي الأستاذ عبد الله ، أنّ المرأة كثيرا ما تتحول إلى خشبة ، إلى شيء لا يصلح للشعر..كثيرا ما تتحول إلى حارسة سجون ، مسترجلة تطالب بالمساواة ...كيف يمكنني أن أتغزل بامرأة متساوية معي ، لا تكسر عينيها خجلا حين أنظر إليها ، ولا ينبت الورد في خديها حينما تخجل ؟
كيف يمكنني أن أكتب قصيدة مبهرة في امرأة غير مبهرة ... كيف يمكن أن أتحدث عن الرقة والروعة والدهشة في امرأة تلبس بنطلونا ولا ينقصها غير الشوارب؟
القصيدة عندي تنتهي حين تنتهي أنوثة الأنثى .. ولأنني أبحث عن أميرة دوما ، فأنا أعيد تأثيث المرأة ، تأثيث قلبها وعقلها ..تأثيث مظهرها .. المرأة التي هي أقرب إلى البدوية التي ترن عليها حلي الفضة وينط الكحل القاتل في عينيها كأرنب شقي .... المرأة مسبلة الثوب لا المتكشفة التي لا تشبه أميرات الأساطير ....
ما رأيك سيّدي في ذلك ؟ وهل تقرّني على استنتاجاتي هذه ؟ ومعظمها مستلهمة من أفكارك ..وهل تضيف إليها شيئا جديدا ..؟
ج- أخيرا ..أحيي جهدك أخي الفاضل الأستاذ عبد الله لالي ، وهو جهد يتلمس خطوط المدرسة ، ويحاول رسمها إبداعا ..والإبداع هو النسج على غير منوال سابق ..وأنت لم يسبقك أحد فيما أعلم في الحديث عن هذه المدرسة ، من خلال دراسة متكاملة..
وكلنا قافلة واحدة في السعي والهدف ، منا الشاعر ومنا الناقد ومنا المستمع الحاذق ومنا الأميرة التي تتأثث لتكون قامتها بقامة القصيدة أو أطول ...